محمد أبو زهرة
1554
زهرة التفاسير
وبين سبحانه تعميم الجزاء لكل عامل بذكر النوعين اللذين خلقهما اللّه تعالى في هذا الوجود ، فقال : مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى فلا فرق في الجزاء بين الذكر والأنثى . ويروى أن السيدة أم سلمة رضى اللّه عنها قالت : يا رسول اللّه ألا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء فأنزل اللّه تعالى : فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى « 1 » . وفي التعبير باللفظ السامي ( ربهم ) إشارة إلى أن الذي يجزيهم هو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم ، وفيه مشاكلة بين لفظ الدعاء والإجابة ، ومعنى قوله تعالى : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أي أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر ، فأنتم جنس واحد يتمم بعضه بعضا ، فلا تحرم الأنثى جزاء ولا يحابى الذكر دونها ، فهذا النص السامي فيه تعليل لمعنى التسوية في الجزاء بين الذكر والأنثى . وبعض العلماء فسر قوله تعالى : بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ أنها لعموم أجناس الناس ، أي أنكم جميعا أيها الناس بعضكم من بعض لا فرق بين عربى وأعجمي ، ولا أسود ولا أبيض ، فالجزاء من جنس العمل أيا كان العامل إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ . . . ( 13 ) [ الحجرات ] وهذا النص الكريم يشير إلى عدة معان سامية : أولها : أن المرأة ليست شيطانة ولا نجسا ، بل لها كل ما للرجل وإن كان له درجة في الدنيا لتنظيم الحياة . وثانيها : أن العمل له جزاؤه من غير نظر إلى قبيلة العامل أو لونه . ثالثها : أن استجابة اللّه ثابتة من وقت عمل العامل . وقد بين سبحانه الأعمال التي استحقت الإجابة من هؤلاء الأبرار ، فقال : فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ .
--> ( 1 ) رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه ، وأخرجه الترمذي : تفسير القرآن - ومن سورة النساء ( 2949 ) .